أحمد بن علي القلقشندي
242
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فقال « علم القافية » : إنّك وإن تألَّق برق مباسمك ، وطابت أيّام مواسمك ، فأنت موقوف على مقاصدي ، ومغترف من رويّ مواردي ؛ أنا عدّة الشّاعر ، وعمدة الناثر ؛ لا يستغني عني شعر ولا خطابة ، ولا يستنكف عن الوقوف على أبوابي ذو ترسّل ولا كتابة ؛ طالما عثر الفحول في ميداني ، وتشعّبت عليهم طرقي فضلَّوا السّبيل واختلفت عليهم المباني ؛ فلم يفرّقوا بين التّكاوس ( 1 ) والتّراكب في التّعارف ، ولم يميّزوا بين التّدارك والتّواتر والتّرادف . فقال « علم العروض » : لقد أسمعت القول في الدّعوى من غير توجيه فدخل عليك الدّخيل ، وأوقعك الوصل دون تأسيس في هوّة النّقص : فهل إلى خروج من سبيل ؟ ؛ أنا معيار القريض وميزانه ، وعليّ تبنى قواعده وأركانه ؛ لم يزل الشّعر في علوّ رتبته بفضلي معترفا ولحقّي متحقّقا ، ومن بحوري مغترفا ، وبأسبابي متعلَّقا ؛ فأبياته بميزاني محرّرة ، وأجزاؤه بقسطاس تفاعيلي مقدّرة ، وبفواصلي متّصلة ، وبأوتادي مرتبطة غير منفصلة . فقال « علم الموسيقى » : لقد أسرفت في الافتخار فضللت الطَّريق وبنت عنها ، وورّطت نفسك فيما لا فائدة فيه فلزمت دائرة لا تنفكّ عنها ، وأتيت من طويل الكلام بما لا طائل تحته فثقل قولا ، وجئت من بسيط القول بما لو اقتصرت منه على المتقارب لكان بك أولى ؛ فأنت بين ذي طبع وزّان لا يحتاج إلى معيارك في نظم قريضه ، وآخر نبت طباعه عن الوزن فلم ينتفع من علمك بضربه ولا عروضه ؛ فإذا لا فائدة فيك ولا حاجة إليك ، ولا عبرة
--> ( 1 ) المتكاوس من القوافي هو ما توالى فيه أربع متحركات بين ساكنين ؛ شبه بذلك لكثرة الحركات فيه كأنها التفّت . يقال : تكاوس النبت أي التفّ وسقط بعضه على بعض . والمتراكب هو كل قافية توالت فيها ثلاثة أحرف متحرّكة بين ساكنين . والتدارك هو توالي حركتين بين ساكنين . والتواتر هو حركة واحدة بين ساكنين . أما القافية المترادفة فهي التي اجتمع ساكناها . ( لسان العرب ، والكتابة والتعبير لأحمد محمد فارس : ص 119 - 120 ) .